الشيخ محمد هادي معرفة

395

تلخيص التمهيد

الإثبات . الأمر الذي يبعد كلّ البعد عن أسلوب كلام عربيّ صميم ، فضلًا عن مثل كلام اللَّه المعجز البديع . قال : غير خفيّ أنّ القرآن نزل على أرقى أنحاء العربيّة وتفنّنها بمحاسن الكلام ، ممّا كان مأنوس الفهم في عصر النزول ، حيث رواج الأدب العربي وقيام سوقه ، وكان بحيث يفهم المراد منه بأنس الطبع ومرتكز الغريزة كلّ سامع عربيّ ويقف على مزاياه الراقية . ولكن بعد وفور سائر الأمم في حوزة الإسلام وتفرّق العرب بالتجنيد في سائر البلاد ، أخذ أسلوب الكلام العربي يتغيّر ويتبدّل عمّا كان على أصالتها الأولى . فعاد ذلك المأنوس غريباً في العامّة وذلك الطبيعي الغريزي يحتاج في معرفته إلى ممارسة التطبّع وكلفة التعلّم والتدرّب في اللغة وآدابها على النهج السّويّ ، اقتباساً بقدر الوسع من ذلك الأدب القديم . وربما أدّت وعورة البحث والجمود على التقليد إلى عثرات الوهم أو إحجام الشكوك . ومن شواهد ذلك أنّ صاحب الكشّاف ، مع تضلّعه من الأدب العربي ومعرفته بفذلكات الكلام ، اضطرب كلامه وتفسيره في كلمة واحدة تكرّرت في القرآن الكريم ، وهو : دخول « لا » على فعل القسم « لا اقسم » . فما قاله في موضع ناقضه في موضع آخر . ربما قال بزيادة « لا » وأخرى بكونها نافية واستشهد بما لا يمسّ مواقع الآيات . وهكذا صرّح بزيادتها في قوله تعالى : « لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ » وفسّرها بيعلم . ووافقه على ذلك جماعة . فاغتنم أعداء اللَّه من ذلك فرصة الغمز في القرآن بأنّه مشتمل على زياداتٍ لا موضع لها في الكلام . قال - رحمه اللَّه - : وليت شعري لماذا لا تُنزّه جلالة القرآن المجيد وبراعته عن لغويّة هذه الزيادة الّتي لا غاية فيها إلّاالإبهام والإيهام . ثمّ أخذ - رحمه اللَّه - في معالجة تلكم الموارد الّتي زعموا فيها زيادة حرف . أمّا دخول « لا » على القسم ، فليتهم لم يخلطوا بين دخولها على فعل القسم - كما في الآيتين - وبين دخولها على حرف القسم ، كما في بيتي امرئ القيس وغوثة وغيرهما ، ممّا